مولي محمد صالح المازندراني

95

شرح أصول الكافي

أعلمهم ، فكم من عالم بفساد الشبهة لا يقوي على حلّها وكم من منفصل عنها لا يدرك حقيقة علمها ثمَّ إنَّ هؤلاء المتكلّمين ارتكبوا أنواعاً من المحال لا يرتضونها الأطفال فأخذوا يبحثون عن تحيّز الجوهر وعن الأكوان والأحوال ، ثمَّ إنّهم بحثوا عمّا سكت السلف عن البحث فيه فبحثوا كيفيّة تعلّق صفاته تعالى وتعديدها واتّحادها في نفسها وهل هي الذَّات أو غيرها وهل الكلام واحد أو منقسم وهل تقسيمه بالأنواع أو بالأوصاف وكيف تعلّق في الأزل بالمأمور ، ثمَّ إذا انعدم المأمور هل يبقى ذلك التعلّق أم لا ، وهل أمر زيد بالصلاة هو عين أمر عمرو بالزكاة ( 1 ) إلى غير ذلك من الأبحاث الّتي لم يأمر الشرع بالبحث عنها وست أصحابه ومن تبعهم عنها فإنّه بحث عمّا لا يعلم حقيقته ومن عجز عن حقيقة نفسه مع علمه بوجودها بين جنبيه فهو عن إدراك ما ليس كذلك أعجز ، وغاية علم العلماء وإدراك العقلاء أن يقطعوا بوجود فاعل لهذه المصنوعات منزَّه عن صفاتها موصوف بصفات الكمال . ثمَّ إذا أخبرنا الصادق عن شيء من أسمائه أو صفاته قبلناه وما لم يتعرَّض له سكتنا عنه ، هذه طريقة السلف ويكفي في الزَّجر عن الخوض في طرق المتكلّمين ما ورد عن السف . فعن عمرو بن العزيز : ليس هذا الجدال من الدِّين في شيء ، وعن الشافعي : لئن لا ينتهي العبد بكلِّ ما نهى الله عنه ما عدا الشرك خير له من أن ينطق في علم الكلام . قال : وإذا سمعت من يقول الاسم المسمّى أو غيره فاشهدوا أنّه من أهل الكلام ولا دين له . قال : وحكمي في أهل الكلام أن يضربوا ويطافوا بهم في القبائل ويقال : هذا جزاء من ترك الكتاب والسنّة وأخذ في الكلام . وقال أحمد : لا يفلح صاحب الكلام أبداً . أهل الكلام زنادقة : وقال ابن أبي عقيل : أنا أقطع أنَّ الصحابة ماتوا ولا عرفوا الجوهر والعرض ( 2 ) فإن رأيت أن تكون مثلهم فكن وإن رأيت أنَّ طريقة المتكلّمين

--> 1 - قوله « هو عين أمر عمرو بالزكاة » هذه الاُمور جميعاً من مباحث متكلمي العامة فثبت أن في العامة أيضاً متكلّمين وكان عياض والقرطبي وأمثاله من متبعي طريقة السف والمائلين إلى الجمود على نقل الأحاديث وتفريع فروع الفقه فهم نظير الإخباريين من الشيعة . ( ش ) 2 - قوله « ولا عرفوا الجوهر والعرض » أقول إن الصحابة ماتوا ولم يعرفوا الاستصحاب وأصل البراءة والأصل المثبت والترتب أيضاً فإن قيل عملوا بها ولم يستعملوا هذه الاصطلاحات قلنا : نعم ولكن عرفوا حقيقة الجوهر والعرض وميّزوا بين الجسم واللون قطعاً وأن لم يستعملوا اللفظين كما أن امرء القيس قال الشعر في البحر الطويل والبسيط والوافر ولم يكن يعرف هذه الاصطلاحات ولا أن موانع صرف الاسم تسعة إذا اجتمع اثنان منها في اسم منعاه من الجر والتنوين وليس ابداع الاصطلاح الذي استبشعوا قبيحاً لكنهم استثقلوا حفظها واستراحوا إلى إبداء عذر يريحهم من صرف عمرهم في شيء يعجزون عنه ولأن التفكر في العلوم كان يمنعهم من التفكر فيما هو أهم في نظرهم . ( ش )